دمُ الأخوين

بلال الطيب
الخميس ، ١٤ فبراير ٢٠١٩ الساعة ٠٢:٤٣ مساءً


بوفاة «المتوكل» القاسم بن الحسين ارتفعت وتيرة الصراع «القاسمي ـ القاسمي»، تنافس ثلاثة من نفس الأسرة على الإمامة، وحظوا بمبايعة أغلب الأنصار، تنحى كبيرهم، فانحصر الصراع بين اثنين منهم، كليهما تلقبا بـ «الناصر»، وكلاهما عاثا في «اليمن الأعلى» نهباً وخراباً، ليختلف الإمام المُنتصر مع أقرب الناس إليه، أخيه الذي كان له الفضل في انتصاره، دفع سكان «اليمن الأسفل» هذه المرة ثمن ذلك كثيراً، من أنفسهم، وأملاكهم، وراحة بالهم.
   
في اليوم التالي لوفاة «المتوكل» القاسم بن الحسين «23 رمضان 1139هـ / 24 إبريل 1727م»، جدد «المنصور» يوسف بن «المتوكل» اسماعيل، دعوته من صنعاء، ومن «ظفار ذيبين» جدد محمد بن إسحاق دعوته، مُتلقباً هذه المرة بـ «الناصر»، ليعلن الحسين بن «المتوكل» القاسم، بعدهما بأسبوع نفسه إماما، وتلقب أيضاً بـ «الناصر»، والمُفارقة الصادمة أنَّ سكان صنعاء بايعوا ثلاثتهم.
   
كان «المنصور» يوسف، الحلقة الأضعف في ذلك الصراع، خذلته القبائل، فآثر العزلة والانطواء حتى وافته المنية منتصف العام التالي في عمران، عن «72» عاماً، وكان أنصار الإمامة قد تفرقوا قبل ذلك بين «الناصر» الحسين، و«الناصر» محمد، كانت كفة الأخير هي الأرجح، سيطر بسرعة خاطفة على معظم أراضي «الدولة القاسمية»، عدا مدينة تعز وضواحيها، التي ظلت تحت حكم الأمير أحمد بن «المتوكل» القاسم.
    
تنكر حينها علي بن قاسم الأحمر «شيخ حاشد» للصداقة التي كانت تجمعه بـ «الناصر» الحسين، نقض عهده معه، وناصر منافسه «الناصر» محمد، وخاطبه برسالة قاسية، استدعاه «إمام صنعاء» على إثرها للتشاور، في خيمة أعدت لذلك بـ «بير الشائف ـ عصر»، ثم قام بقتله غدراً «10 محرم 1140هـ»، واحتز رأسه، وحمله في وجوه أصحابه وهو يصرخ: «هذا هو رأس صنمكم»، وقد صور أحد مادحيه ذلك المشهد بقوله:
فيا لها فتكة في الدين كم شرحت
صدراً وكم نهجت للحق من نهج
   
غادر «الناصر» الحسين الخيمة ورأس «ابن الأحمر» محمولاً في يده، الأمر الذي أغضب باقي المشايخ المُترقبين لنتيجة تلك المُحادثات، دارت مُناوشات محدودة أسفرت عن قتل وزيره حسين الحيمي، ليتجه الجميع بعد ذلك لمبايعة منافسه «الناصر» محمد، كان صنوه يوسف بن «المتوكل» القاسم أبرزهم.
   
أرسل «الناصر» محمد، جيشاً كبيراً بقيادة أخيه الحسن لاجتياح صنعاء، حاصرها الأخير لثلاثة أشهر، دارت خلالها مواجهات محدودة، أسفرت عن استسلام «الناصر» الحسين، وإذعانه مجبراً للصلح، بايع مُنافسه شفاهة، واشترط أن تكون صنعاء ومواضع أخرى سماها تحت تصرفه.
    
لم يلتزم «ابن اسحاق» بذلك الاتفاق، فما كان من «ابن القاسم» إلا أن أوقف بعد أقل من شهر الخطبة له في صنعاء، ثم خرج لملاقاته في شبام للتشاور، مُستصحباً معه عدد من العساكر، أطلق أحدهم عياراً نارياً في الهواء وهو يصرخ: «يا منصوراه»، استبشر الحسين بذلك النداء، وجدد من فوره دعوته، مُتلقباً بـ «المنصور»، واستطاع بالمكر والخديعة وبذل الأموال أن يغير سير المعركة وفي زمن يسير لصالحه.
   
دارت حروب كثيرة بين الجانبين، شابها كثير من حوادث النهب والسلب والتخريب، كانت الغلبة في معظمها لـ «المنصور» الحسين، الذي استغل خلاف قبيلة «يام» مع منافسه، فأغدق على رجالها الأموال، ثم وجه «1,200» مقاتل منهم لمُحاربة يحيى بن إسحاق «حاكم بيت الفقيه» باسم أخيه، التقوا الأخير بالحيمة، وأجبروه وولده المطهر على الاستسلام «ذي الحجة 1140هـ».
   
كانت تلك الحادثة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، توالى بعدها هزيمة قادة «الناصر» محمد، واستسلامهم الواحد تلو الآخر، فيما ظل هو مُتحصناً في كوكبان، بضيافة صاحبها محمد بن الحسين بن عبدالقادر، الذي أفرج عنه «إمام صنعاء» قبل عدة أشهر.
   
تعرض أخوة «الناصر» محمد، وقادة جيشه للحبس والإذلال من قبل «المنصور» الحسين، وكذلك فعل الأخير مع صنوه يوسف، أما أخوه الأمير أحمد «حاكم تعز»، والذي كان له الأثر الأكبر في ترجيح كفته، واستعادة معظم مناطق «اليمن الأسفل» وميناء المخا لحضيرة دولته، فقد اختلف معه، ودارت بينهما حروب وخطوب سنأتي على تناولها.
   
لم يدم الود بين «المنصور» الحسين ومقاتلي قبيلة «يام» كثيراً، خرج الأخيرون بمساعدة قبائل «حاشد» إلى تهامة «محرم 1142هـ»، وعاثوا فيها نهباً وخرابا، تقطع الجند الإمامي «البكيلي» لهم في طريق عودتهم، وأخذوا ما بحوزتهم، وعن ذلك قال صاحب «النفحات المسكية»: «ولم يبق بيد يام إلا اليسير مما نهبوا من بيت الفقيه، ورجع الجند الإمامي إلى حضرته، ـ يقصد الإمام ـ وقد امتلأت أيديهم بالغنائم، وغصت بها صنعاء، وبيع العلق النفيس بأبخس ثمن».
   
ناصرت قبيلة «بكيل» ومشايخها «المنصور» الحسين في دعوته، كانوا جنده المُخلصين، فأسماهم بالمجاهدين، خرج بهم منتصف العام التالي لإخضاع «حاشد»، القبيلة التي ناصبته العداء، و«داخ البلاد وأهلها، وأخرب الكثير من القرى، وملأ الحديد منهم بالأسرى.. فرجفت بالخوف أحشاء تلك الأقطار، وانتهى أول هارب منهم إلى أطراف الجوف»، حد توصيف صاحب «النفحات المسكية».
   
خضعت «حاشد»، ورفع شيخها قاسم بن علي الأحمر راية الاستسلام، فيما توجهت «يام» لمناصرة «الناصر» محمد، اكتفت بأخذ الغنائم، ثم عادت أدراجها دون أن تفعل له شيئاً، ليجنح هو الآخر للسلم، توجه إلى صنعاء «15 شعبان 1143هـ»، التقى بإمامها العائد لتوه من «حاشد»، وبايعه مشترطاً بقاء عائدات كوكبان تحت تصرفه، معلناً تفرغه للعلم والعبادة، فيما ظل أقربائه في سجن «المنصور» الحسين حتى توفي معظمهم.
   
لم تكد أحوال دولة «المنصور» الحسين تستقر، حتى بدأت البلاد تتناقص عليه من أطرافها، بدأت قبائل يافع بشن الغارات على حدود دولته «1144هـ»، وعاثت في قعطبة نهباً وسلباً، وبدعم منها، وفي منتصف العام التالي أعلن الشيخ فضل العبدلي انفصال لحج وعدن، انكمشت بفعل ذلك خارطة «الإمامة الزيدية»، وتشكلت سلطنات صغيرة عمت الجنوب اليمني حتى حضرموت، وصلت فيما بعد إلى حدود «22» إمارة ومشيخة.
   
وفي بداية العام «1152هـ»، وبتحريض من بعض فقهاء «الزيدية»، جدد الحسن بن القاسم دعوته من شهارة، مُتلقباً هذه المرة بـ «الهادي»، انضمت لنصرته بعض قبائل «حاشد، وبكيل» بقيادة الشيخ هادي حبيش، حقق الأخير له بعض الانتصارات، واستولى على حراز وأطرافها، ثم ما لبث أن تخلى عنه، ليخفت بعد ذلك ذكر ذلك الإمام، وبعد ثلاثة أعوام كانت وفاته. 
   
اختلف «المنصور» الحسين أيضاً مع أقرب الناس إليه، أخيه الأمير أحمد، الذي طالبه بتعويضه عن المناطق الجنوبية التي خسرها، وحين لم يستجب، انفصل بتعز والحجرية، ومدَّ نفوذه إلى إب والعدين والمخا، استولى على إيرادات الأخيرة «شعبان 1153هـ»، وشرع في استقبال المتذمرين من حكم «إمام صنعاء»، وفتح بابه لأصحاب الآراء، وكان بحكم مكوثه بمدينة تعز أقرب إلى مذهب أهل السنة، وعرف عنه تهجمه على المذهب «الزيدي».
    
استشاط «المنصور» الحسين غضباً، ثم بادر بتجييش القبائل الشمالية، وإرسالها تباعاً لإخضاع أخيه المُتمرد، دارت عدة مواجهات، قتل فيها الكثير من الجانبين، فيما كانت مناطق «اليمن الأسفل» مسرحاً لفصولها الدامية، دفع سكانها المسالمون ثمنها كثيراً.
      
أهالي الحجرية من جهتهم استغلوا ذلك الصراع، وأعلنوا في أواخر ذات العام تمردهم على الأمير أحمد «حاكم تعز»، أخرجوا عساكره من قلعة «الدملؤة»، فأرسل إليهم علي المؤيدي لإخضاعهم، فهزموه، ثم أرسل إليهم قوات من «حاشد، وبكيل» بقيادة ياقوت زيلعي، هزمهم الأخير، وأسر «300» منهم، واحتز نيف «245» رأساً من قتلاهم، أخذها معه إلى مدينة تعز، وقدمها قرباناً لسيده الأمير.
   
لم يكد «المنصور» الحسين، يحسم خلافه مع أخيه أحمد، حتى تمرد عليه صنوه يوسف «شعبان 1155هـ»، مُعلناً من «خولان العالية» نفسه إماماً، مُتلقباً بـ «المهدي»، بإيعاز وتحريض من الشيخ راجح الخولاني، دارت عدة مواجهات، أسفرت عن هزيمة «الخولانيين»، وخراب دورهم، وهروبهم إلى المناطق المجاورة، أما «المهدي» يوسف، فقد تخلى هو الآخر عن دعوته، وأذعن لحكم صنوه، الذي عفا عنه، وألزمه البقاء في داره.
   
وبالعودة إلى ذكر الغزوات القبلية المُنفردة، قام أفراد من قبيلة «ذو حسين ـ برط» في منتصف العام التالي بغزو بلاد آنس، وعاثوا فيها نهباً وخرابا، تصدى لهم «بنو راجل» في جبل الشرق، فتوجهوا إلى بلاد عتمة وريمة، و«انتهبوا ما ظفروا به، واستاقوا حريماً، فتفادى أهلهن بمال جزيل»، كما أشار صاحب «النفحات المسكية»، وكانوا قد تعدوا في طريق مرورهم على «حاشد»، ليتقطع لهم الشيخ ناصر الأحمر أثناء عودتهم بمجاميع من قبيلته، ودارت مواجهات أسفرت عن سقوط «280» قتيل من الجانبين.
   
وفي ذات العام «1156هـ»، وبعد وساطات مُكثفة، توصل عدد من العلماء لحل الخلاف الدائر بين «المنصور» الحسين وأخيه أحمد، واشترطوا بقاء «مدينة تعز، وجبل صبر، وشرعب» تحت نفوذ الأمير، على أن يُعلن ولاءه لأخيه، لم يمض من الوقت الكثير حتى جدد ذات الأمير تمرده «1158هـ»، طامحاً هذه المرة بضم الحجرية ـ التي خسرها في الجولة السابقة ـ لحكمه، مستعيناً بقبيلة يافع، وقد قدم حينها الشاعر أحمد الرقيحي حله الناجع لذلك الإشكال المُتجدد، قائلاً:
صنوان قد سقيا بماء واحد
والفضل خال من كلا الأخوين
جرحا قلوب العالمين فما لها
من مرهم إلا دم الأخوين
   
شدد «المنصور» الحسين على أخيه أحمد هذه المرة الخناق، جيَّش له قوات قبلية جلها من «بكيل»، بقيادة الشيخ هادي حبيش، كبحت تلك القوات جماح الأمير، واستقرت بتكليف من الإمام في أطراف مدينة تعز؛ وذلك منعاً لأي حركة تمرد قد يقوم بها حاكمها، وما تواجد بيت «السفياني، والبرطي، والبحر» في تلك المناطق إلا امتداد لذلك الاستيطان، ليأتي الاستيطان «البكيلي» الثاني بعد مرور «82» عاماً، وشمل هذه المرة عدة مناطق من محافظة إب. 
   
عُرف عن «المنصور» الحسين كرهه الشديد لسكان مدينة صنعاء، لم ينس اتهامهم له بالعقوق حين أختلف مع أبيه، وسخريتهم منه لذات السبب، أسرها في نفسه، وحين أستتب له الأمر تفنن في إذلالهم، جعل منازلهم مُستباحة لرجال القبائل المناصرين له، وألزمهم بالخروج منها لإيواء القادمين، ولم يكن أمام الأهالي المُتذمرين سوى الصبر والالتزام.
   
توفي «المنصور» الحسين صبيحة يوم السبت «23 ربيع الأول 1161هـ / 6 مارس 1748م»، والصراع بينه وبين أخيه الأمير أحمد على أوجه، ورث ولده الإمام الجديد عباس، والذي تلقب بـ «المهدي» ذلك الصراع، فيما تمادى عمه في طموحاته، وأعلن نفسه إماماً، تلقب بـ «الهادي»، وصك العملة باسمه، واكتفى بحكم «اليمن الأسفل».
  
ساهمت مساعي العلامة ابن الأمير الصنعاني في تلطيف الأجواء، وقيل أنَّ «إمام تعز» تنحى بفعل ذلك بعد مرور ستة أشهر، وقيل أنَّ الخلاف لم ينتهي إلا بوفاة «الهادي» أحمد في العام التالي بمدينة تعز، تاركاً ذريته هناك، وهم من عرفوا فيما بعد بـ «بيت الباشا»، وكم كان الشاعر الرقيحي مُحقاً في تشبيهه، إذا ما اعتبرنا «دم الأخوين» نهايتهما.

ارفعوا الحصار عن تعز