أعــــ اليمــ (3) ــن ــــلام .. نشوان.. الملك المخذول

بلال الطيب
الجمعة ، ٢٨ سبتمبر ٢٠١٨ الساعة ٠١:٢٤ صباحاً

 

يبقى القاضي نشوان بن سعيد الحميري الاسم الأكثر حضوراً في قائمة الأحرار الوطنيين، الذين عملوا على إذكاء مشاعر العزة والكرامة في قلوب اليمنيين، رغم أنه «زيدي» المذهب، تمرد على الإمامة ومُسلمتها الإقصائية «البطنيين»، وجعلها «رئاسة عامة مشاعة بين القادرين الأمناء من المسلمين».

 

وقال في ذلك:

إن أولى الناس بالأمر الذي ... هو أتقى الناس والمؤتمن

أبيض الجلدة أو أسودها ... أنفه مخرومة والأذن

 

وقال منتقداً «الأئمة»:

حصروا الخلافة في قريش ضلة ... هم باليهود أحق بالإلحاق

جهلاً كما حصر اليهود ضلالة ... إرث النبوة في بني إسحاق

 

أعلن «نشوان» منتصف القرن السادس الهجري نفسه مَلكاً، مُستغلاً انتسابه لأحد ملوك «حمير»، إلا أن القبائل خذلته، وانتصرت للوافد الغريب، الإمام أحمد بن سليمان، وقد كانت له مناظرات عديدة مع ذات الإمام، قال في إحداها شعراً:

عجائب الدهر أشتات وأعجبها ... إمامة نشأت في ابن الخذيريف

ما أحمد بن سليمان بمؤتمن ... على البرية في خيط من الصوف

 

كان «ابن سليمان» بطاشاً عنيفاً، و«جارودياً» مُتعصباً، كفر معارضيه، وأباح قتل من يجيز الإمامة في غير البطنين، وقد رد على «نشوان» بالقول:

نشوان شيعي إذا جادلته ... وإذا كشفت قناعه فيهودي

 

كما أوعز لأنصاره تشديد الخناق عليه، الأمر الذي جعل «نشوان» يغادر بلدته «حوث»، متوجهاً إلى «مأرب، وبيحان»، وروى بعض المؤرخين أن أهل تلك البلاد ناصروه، ونصبوه ملكاً.

 

أزعجت الطموحات «النشوانية» كثيراً من الأئمة، فهذا الطاغية عبدالله بن حمزة، أصدر فتوى أباح من خلالها قتل أي يمني غير فاطمي يتطلع للرئاسة، ورد على «نشوان» بأرجوزة طويلة، تؤكد حقه وأسرته في السيادة، جاء في مطلعها:

ما قولكم في مؤمن صوام ... موحد مجتهد قوام

وماله أصل إلى آل الحسن ... ولا إلى آل الحسين المؤتمن

بل هو من أرفع بيت في اليمن ... قد استوى السر لديه والعلن

 

لـ «نشوان» مؤلفات عديدة، أشهرها «شمس العلوم ودواء العرب من الكلوم» مجلدان، وطبعت منتخبات منه تتعلق بأخبار اليمن، و«القصيدة الحميرية»، وتسمى «النشوانية»، نشرت مع شرحه لها في مجلة الحكمة اليمانية، و«كتاب القوافي»، و«الحور العين» مع شرحه له، و«الفرائد والقلائد» رسالة، و«خلاصة السيرة الجامعة لعجائب أخبار الملوك التبابعة» جزء صغير.

 

قال عنه المؤرخ «عمارة»: «هو شاعر فحل، قوي الحبك، حسن السبك»، وقال عنه «الخزرجي»: «كان أوحد أهل عصره، وأعلم أهل دهره، فقيهاً نبيلاً، علما متقناً، عارفاً بالنحو واللغة، والأصول والفروع، والأنساب والتواريخ، وسائر فنون  الأدب».

 

ترك «نشوان» أواخر عمره الجدل والسياسة، وانقطع للزهد والعبادة، وكانت وفاته سنة «573هـ»، وحين وقف الإمام «الهادي» عز الدين الحسن المؤيدي على قبره، قال فيه:

يا قبر نشوان لولا النصب فقت على ... من كان من علماء العرب والعجم

جريمة اغتصاب طفل في تعز