إمام بـ «500» ريال!!

بلال الطيب
الثلاثاء ، ٢٩ مايو ٢٠١٨ الساعة ٠٣:٠٧ مساءً

 

«الدولة القاسمية» التي ابتدأت مع خروج الأتراك من اليمن في حملتهم الأولى ـ منتصف القرن الحادي عشر الهجري ـ انتهت بالتزامن مع تواجدهم الثاني ـ منتصف القرن الثالث عشر الهجري ـ  أدت كثير من الأحداث إلى أفولها، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، يمكن أن نسميها بـ «عصر أئمة القبائل»، أو «فوضى الأئمة الصغار». 

قبل وصول الأترك إلى الحديدة بثلاث سنوات، كان قد بويع في صعدة أحمد بن هاشم الويسي إماماً «1846»، تلقب بـ «المنصور»، وهو من نسل «الهادي» يحيى، أضطرب أهالي صعدة عليه، وذلك بعد عام واحد من دعوته، هرب إلى «الطلح»، ومنها أعاد الكرة عليهم، قاتلهم، وأنتصر عليهم، ثم خرج يطوف بين القبائل، وفي ذلك قال «صاحب الحوليات»: «واستفتح الداعي في تلك الديار بلاد كثيرة، واشتغل بها وأهل تلك البلاد الصعيدة وما والاها، يتبعون كل ناعق، ويهرولون بين يدي كل سابق».
   
جمع «المنصور» جيشاً كبيراً، وكانت بغيته صنعاء، أستقر في عمران مدة، خرج إليه الإمام علي بن «المهدي» عبدالله، حاربه مرتين، إلا أنه عاد بخفي حنين، وحين لم يستطع الأخير إخماد التمردات القائمة، خلع نفسه «يونيو1850»، وقيل خلعه سكان صنعاء ونصبوا العباس بن عبدالرحمن إماماً، الأخير من نسل «المتوكل» إسماعيل.
   
تلقب إمام صنعاء الجديد بـ «المؤيد»، كان فقيها غير متعصب، استمر هو وبعض العلماء بمراسلة الإمام القادم من صعدة، عله يبايعه وينصاع سلماً لدولته، فما كان من «الويسي» إلا أن رد عليهم: «الأنهض من جرد سيف الله، ونازل أعداء الله، وقاد الصفوف، وكسر الألوف، وأفترس النفوس، وقاسى حر الشموس، وسهر الليالي، واستنزل الصياصي الأعالي، عاملاً بالكتاب والسنة، مفارقاً للأوطان»، متسائلاً: «وهل ثبت الدين بغير السيف، كما لا يستقيم الشتاء بغير الصيف، وهذا علي بن أبي طالب وأولاده، هات لي إماماً قام معه الإعوجاج، وسلك مختلفات الفجاج، ولم يجرد سيفاً».
  
حاصرت القبائل المساندة لـ «المنصور» صنعاء، وعاثت فيها نهباً وخراباً، لينقسم سكان المدينة المنكوبة بين الإمامين، ثم آل الأمر للصلح، وذلك نهاية العام «1850»، تنازل «المؤيد» بعد خمسة أشهر من الإمامة المضطربة لـ «المنصور»، وكان جزاؤه الحبس، كما قام الإمام المنتصر بتخريب وحرق بيوت معارضيه، ونهب أموالهم، أما علي بن «المهدي» عبدالله، فقد نفذ بجلده ومعه عدد من العلماء، وأعلن من «وادي ظهر» نفسه إماماً، وتلقب هذه المرة بـ «المتوكل».
   
وفي ذلك قال «الواسعي»: «ثم سقط الأمر، وتغلبت القبائل، وكان الملك في تهامة للأتراك، وحراز للمكرمي، وأسفل اليمن لقبائل بكيل، ثم انقطعت السبل، وكلما عزم "المنصور" على محاربة علي بن "المهدي" لم يساعده أحد».
  
القبائل التي ناصرت «المنصور» بادئ الأمر، تحولت بداية العام «1851» لمناصرة منافسه «المتوكل»، أجتاح الأخير صنعاء بـ «6,000» مقاتل، لتتعرض المدينة لأشنع جرائم السلب والنهب، أما الإمام المخلوع أحمد بن هاشم فقد خرج خيفة إلى «دار أعلا» من بلاد أرحب، وأستقر فيها إلى أن قضى نحبه، وقيل مات مسموماً. 
   
عمت الفوضى، وسقط الأمر من يد «المتوكل»، الذي فرَّ هو الآخر إلى «يريم»، ليكثر بعد ذلك أدعياء الامامة، وقيل أنهم تجاوزوا الـ «20» داعياً، حتى أن أحدهم ـ كما ذكر «العرشي» ـ أعطى أرباب الدولة «500» ريال لينصبوه إماما، نصبوه ليلة واحدة، أو بعضها، ثم عزلوه في الصباح.
   
ومن منطقة الروضة أعلن غالب بن «المتوكل» محمد نفسه إماماً، وفي «يريم» أستمر علي بن «المهدي» عبدالله بالدعوة لنفسه، عدها «صاحب الحوليات» دعوة خامسة، وفي صنعاء عقدت البيعة لشمس الدين محمد بن عبدالله بن «المنصور» علي، أستمرت إمامته لثلاثة أيام، لم يتجاوز خلالها عتبة داره، وقد كان مدعاة للتندر والسخرية، وفي «كوكبان» أنقلب أحمد محمد شرف الدين، على ابن عمه محمد عبدالكريم شرف الدين، وأستقل بحكمها لنفسه، ومن «ضوران» أعلن عبدالرحمن بن «المتوكل» أحمد نفسه إماماً، وتلقب بـ «المهدي»، ومن «ضلاع ـ همدان» جدد العباس بن عبدالرحمن دعوته، وتوجه بالقبائل المناصرة له صوب صنعاء.
   
كان «الهادي» غالب قد سبق «المؤيد» عباس بدخول صنعاء، وذلك بعد شهرين من دعوته أواخر العام «1851»، دون أن يريق دما، أو يذهب مالا، لينقسم الناس بعد بضعة أشهر بينه وبين منافسه القادم من «همدان»، دارت حرب شعواء بين أنصار الإمامين «إبريل1852»، دفعت صنعاء ثمنه غالياً، غادرها كثير من العلماء والأعيان، ومن طريف ما يروى أن الدعاء في خطبة الجمعة بـ «قبة المهدي» كان لـ «المؤيد»، وفي «الجامع الكبير» كان لـ «الهادي»، تحققت الغلبة بعد «52» يوماً للأخير، ولم يتجاوز حكمه أسوارها، أما «العباس» فقد أرتحل إلى «ضُلاع»، وفيها أستقر.

أختلف «الهادي» بعد ذلك مع أقرب أنصاره، أحمد بن عبدالله أبو طالب «شوع الليل»، دارت بينهما حروب، داخل أسوار المدينة المنكوبة، وهي بعدُ لم تتعافَ من جراحاتها، انتهت المواجهات بداية العام «1853هـ» بخلع «الهادي» غالب، توجه بعد ذلك وفدٌ من علماء صنعاء وأعيانها إلى منطقة «السِّـر ـ بني حشيش»، حيث العلامة محمد بن عبدالله الوزير، ألزموه الحجة، فأظهر دعوته، وتلقب بـ «المنصور»، وهو من نسل «الهادي يحيى».

 حينما رأى «شوع الليل» ميلان الناس نحو القادم الجديد، أستعجل بالدعوة لنفسه، وتلقب بـ «المهدي»، ليعارضه من «سناع» محمد علي الشامي، دارت بينهما حروب، وقيل أن الأخير كان داعيا لـ «المنصور» لا أكثر، دانت بعد ذلك معظم مناطق «اليمن الأعلى» لـ «المنصور»، وتنازل له «شوع الليل» بعد ستة أشهر إلا بضعة أيام.
   
استقرت صنعاء، وأمنت البلاد في عهد الإمام الجديد نوعاً ما، ولم يكد يمضي العام «1854» حتى عاد رجال القبائل لغيهم، اجتمعوا في «الروضة» حول الحسين بن «المتوكل» أحمد «الذعرور»، ساندوه ونصبوه إماماً، وتلقب بـ «المتوكل» وقيل «المنصور»، أقتحم صنعاء، دارت مواجهات بين أنصاره وأنصار محمد بن الوزير، وحين لم ينتصر أي منهما، أجتمع أعيان صنعاء، ومشايخ القبائل، واتفقوا على خلعهما وتنصيب المحسن بن أحمد «مُحسن الشهاري» إماماً «1855»، بعد أن راسلوه إلى  «كحلان» مقر إقامته، وهو من نسل «المظلل بالغمامة»، وتلقب هو الآخر بـ «المتوكل»، كان صاحب همة ودراية، دخل بصراعات ومناوشات مع معارضيه، وكان من أبرز أنصاره محمد بن يحيى حميد الدين.
   
غادر محمد بن عبدالله الوزير صنعاء مغاضباً دون أن يبايع الإمام الجديد، استمر بدعوته، واستقر بـ «السِّـر»، وقد جرت بينه وبين «الشهاري» مراسلات، ولم يكن الخلف بأحسن حالاً من السلف، ناصبته القبائل العداء، ومعهم أهالي صنعاء، وفي ذلك قال «العرشي»: «ولم تزل الحرب بينه وبين أهل صنعاء، وهم تارة ينصبون لهم جاهلاً يحسبونه إماماً، وأخرى من ذات أنفسهم». 
   
بالعودة إلى الأئمة الذين تم خلعهم، فقد أجمعوا أمرهم بعد ثلاثة أشهر من قيام «الشهاري» على عودة «الهادي» غالب بن «المتوكل» محمد لتولي الإمامة، ليدخل الأخير صنعاء للمرة الثانية دون حرب، وجعل الحاج أحمد الحيمي وزيراً وحاكما عليها باسمه، كانت إمامته صورية، فيما القول الفصل لـ «الوزير».
   
وفي العام «1856»، أختلف الإمام ووزيره، فاستدعى «الحيمي» علي بن «المهدي» عبدالله، ونصبه إماماً، وقد تلقب ألأخير هذه المرة بـ «المهدي»، وتعد هذه دعوته السادسة، حشد «غالب» القبائل المساندة وحاصر بهم صنعاء، ثم وقع الصلح بعد ثلاثة أشهر على خلع «المهدي»، وبقاء «غالب» إماماً صورياً، ليس له من الأمر غير الدعاء في الخطبة، ليتوجه بعد سبعة أشهر إلى تهامة بدعوة من الوالي العثماني أحمد آغا، أجريت له كفايته، ثم عاد أدراجه إلى صنعاء مكرماً.
   
وفي ذات العام، جدد «محسن الشهاري» دعوته، وقد ناصرته قبائل «بني حشيش، وبني الحارث، وأرحب»، وأجابته حجة وما والاها، واستقر بـ «كحلان»، أما مُنافسه «المنصور» محمد الوزير فقد بعث برسائل إلى جميع مناطق الزيدية، فيها من العتب الكثير، وهددهم بالدعاء عليهم إن لم يستجيبوا له، جاء في إحداها: «ألا ومن أعظم المعاصي، وأفظع ما جناه العاصي، البغي على إمام الحق، ونكث بيعته، ألا وإن دعاء إمام الحق لا يرد، وإن أمهل فلن يهمل، وقد دعونا الله بأن يشدد وطأته على الباغين، والناكثين، والظالمين، وأتباعهم»,
  
قام أهالي صنعاء بعزل وزيرهم «الحيمي»، بعد أن راعهم تصرفه في نسف ونهب منازل معارضيه «1857»، فما كان منه إلا أن عزم على التوجه إلى تهامة للاستنجاد بالأتراك، إلا أن القبائل حالت بينه وذلك، وقيل أيضاً أنه ـ وعدد من أنصاره ـ راسلوا الحسين بن محمد في «الطويلة»، وطلبوا منه أن ينهض بالأمر، وبالفعل دعا الأخير لنفسه، وتلقب بـ «الهادي»، صك العملة باسمه، وطاعته أغلب القبائل، وكانت له بادئ الأمر سطوة عظيمة.
  
كان «الهادي» دجالاً مشعوذاً، اتهمه «العرشي» بأنه مجهول النسب، فيما أوصله «زباره» بعبدالله بن حمزة، أما الحسن الديلمي فقد ألف في أخباره رسالة بعنوان: «در النادي في الكشف عن خبث حسين الهادي»، والأدهى والأمر من ذلك، أنه كان مهادناً للإنجليز، أرسل بعثة إمامية لمقابلة مقيمهم السياسي في عدن، إلا أن سلطان لحج اعترض طريقها، ومنع وصولها، بسبب توتر العلاقة بينه وبين الانجليز، خفت بعد ذلك ذكره، وتخلى عنه حتى أقرب مناصريه.
   
اُختير مُحسن معيض حاكماً لصنعاء «1860»، حزم المدينة، وضبط أمر ساكنيها، وجعل منهم قوة جبارة لصد زحوفات القبائل، كما قام بسد «باب شعوب» لذات الغرض، ولم يكن للأئمة القائمين حينها غير الدعاء، وفي تلك الأثناء أوقف أئمة مساجد المدينة الدعاء لـ «الهادي» محمد، وبدأوا بالدعاء لـ «محسن الشهاري»، الذي أنتقل بمساندة من «معيض» إلى «الغراس»، وبدأ يفكر جدياً بالسيطرة على صنعاء.
 
وفي العام «1865» جدد من «الروضة» الحسين بن «المتوكل» أحمد «الذعرور» دعوته، وتلقب هذه المرة بـ «الهادي»، ناصرته بعض القبائل، ودخل صنعاء بعد عامين بمساندة من «معيض»، ولم يكن له من الإمامة سوى الاسم، وما هي إلا ستة أسابيع حتى قاد «الشهاري» القبائل المساندة له صوب صنعاء، انتقاماً لنكثهم بيعته، حاصرها لثلاثة أشهر، وحين استعصت عليه عاد أدراجه خائباً، وهو الأمر الذي دفع «الذعرور» وعدد من العلماء والأعيان، بالاستنجاد بالأتراك في تهامة، وهو ما كان.
  
كان «الذعرور» اُلعوبة بيد «معيض»، استخف به الأخير أيما استخفاف، ووصل به الأمر بأن منع عنه وجبة الغداء، ثارت حينها ثائرته، ووجه بحبس وإعدام مستدعيه بالأمس، وماهي إلا لحظات حتى دارت الدائرة عليه، ثار الناس، وحبسوه وقيدوه، ثم طردوه ومعه حشد كبير من أفراد اسرته، كانت قوات «الشهاري» حينها خارج المدينة تتربص، تجددت المواجهات، ثم آل الأمر للصلح، دخل الأخير صنعاء «1866»، وهرب منها «معيض»، ولم يكد يحول الحول حتى استعاد الأخير زمام المبادرة، سيطر على المدينة، ولم يبق لـ «الشهاري» غير الدعاء. 

يقول المؤرخ إسماعيل الأكوع عن أئمة تلك الفترة: «كان كل واحد يرى الحق معه، ولقد بلغ الحال ببعضهم أن قاتل أخاه وابن عمه، ورفع السيف على أبيه، وكان بعض الأئمة يصر إصراراً عنيداً على طلب الملك، ولا يفتأ يجدُّ في الوصول إليه، ولو أضطر على إباحة قطع الطريق، ونسف المنازل على أهلها، والنهب والسلب، حتى يشيع الرعب في قلوب الناس، وتتملكهم الرهبة والفزع، فيسلمون به إماماً مكرهين لا خيار لهم فيه».

ارفعوا الحصار عن تعز