بين فهم التاريخ وبناء المستقبل

محمد بالفخر
الخميس ، ٢٢ مارس ٢٠١٨ الساعة ٠٢:٢٤ مساءً

 قال رائد علم الاجتماع العلامة عبد الرحمن بن خلدون الكندي الحضرمي: ان التاريخ يعلم الانسان الدروس، ويجعله أكثر وعيا، وأقدر على اتخاذ الخطوات المناسبة.

ويقول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق اليهودي الشهير هنري كسنجر: ان التاريخ منجم زاخر بالحكمة التي قد تجد فيها المفاتيح الذهبية لمشاكل حاضرنا.

بينما محمد حسنين هيكل يقول: ان العيب في دراسة التاريخ اننا أحيانا نطالع صفحاته لنقرأ انباء الانتصارات والهزائم، وأخبار المواليد والوفيات .... ولكن التاريخ شيء آخر وراء هذا الظاهر، وهو أن تعرف المقدمات التي انتظمت حتى انتهت بالنصر او الهزيمة.

حرصت في المقدمة السابقة الاستشهاد بشيء من أقوال بعض الشخصيات المعروفة وغيرها كثير من المقولات التي تحدثت عن أهمية دراسة التاريخ وربط تسلسلاته واسقاط الكثير من احداثه على واقعنا فالتاريخ حلقة واحدة لا تختلف أولها عن اخرها في المضمون وان اختلف الشكل الخارجي وهذا ما اكرره دائما في مقالاتي وأحاديثي لا بد من العودة للتاريخ في كل قرار تبنيه الدول وحتى الأفراد الذين يسعون لبناء تصور وتحديد موقف في قضية ما ودائما ما أجد نفس الرد يا اخي احنا أبناء اليوم وما حدث في الماضي أمر قد انقضى وذهب بخيره وشره.

 ربما لا يجب أن نلوم البسطاء وعامة الناس فهم يظنون أن الماضي وجد ليحدث في حينه وزمانه وان إعادة حدوثه او امتداد تأثيره ما هو الا ضرب من الجنون أو المخاوف التي لا أصل لها وبالتالي فلا عتب عليهم لأن مطالبة التفكير المحدود الذي يدور داخل عقل راكد يعتبر قسوة نمارسها تجاه هؤلاء

العتب الحقيقي والأسى والأسف هو على أولئك الذين يصدّعون رؤوسنا بتنظيرات ركيكة و لست أعلم هل أفكارهم السطحية تلك نابعة من حسن نية و جهل بحقائق الكون و سنة الحياة والتي أساسها التعليم الرديء الذي قدم الينا في الوطن العربي وخاصة في اليمن شماله وجنوبه فلا ننسى أن مادة التاريخ كانت من المواد التي لا يُكترث بها ومن تخرج من الثانوية واراد الالتحاق بكلية نائمة وذات معدل بسيط فان التاريخ هي من أوائل خياراته مادة معدّة بأحكام معلومات سطحية واحداث متجزئة وتنويم للعقل وبالتالي فمعلم التاريخ لدينا شخص عادي لديه احداث وتواريخ ينقلها من الكتاب شفاهة للطالب وما على الطالب الا حفظ تلك الاحداث استعدادا ليوم الاختبار وانتهى الأمر الا قلة قليلة خرجت عن هذا الاطار ودرست التاريخ بعمق و كانت كل حصة للتاريخ بمثابة بوابة للبحث والتقصي وربط الاحداث ومع هذا لم يهيئ لمن فطنوا تلك الحقائق وبرعوا في دراسة التاريخ أن يكونوا جزء من ساسة بلدانهم والمشاركين في وضع خطط البلد أو المستشارين في حل معضلاته بل إن كثير منهم كانت معرفتهم بالتاريخ و حنكتهم تلك وبالاً عليهم حيث تعرضوا للتهميش والاعتقال والاذى بطريقة تشبه تلك التي حدثت للعلماء الغرب أيام سيطرة الكنيسة واتهامهم بالهرطقة وتعرضهم للحرق و اتلاف كتبهم أو التزام الصمت والعودة عن تلك الأفكار التي كانت تعني تعرض هيمنة القساوسة والرهبان للخطر لأنها قائمة على استعباد الناس وإلغاء العقل وهو نفس ما تمت ممارسته في بلداننا .

في رحلة خفيفة وسريعة الى الغرب ومع البحث البسيط في تخصصات أكبر الساسة ودهاقنة التخطيط الاستراتيجي الغربي تجد أن معظمهم ان لم يكن جميعهم درسوا التاريخ وكانوا أساتذة فيه وبنوا سياستهم العالمية بناء على التاريخ فاستبعدوا ما كان سببا لفشلهم واعادوا تكرار أسباب النجاح بل تعمقوا في دراسة جميع الشعوب تاريخيا ايمانا منهم ان التاريخ يتكرر وان وحدة الاحداث سلسلة مترابطة لا يمكن ان يستمر تماسكها ان قطعنا احدى تلك الحلقات وبالتالي فنستطيع القول هم نجحوا ونحن فشلنا وكلمة السر هي دراسة التاريخ.

أعود لأكرر لن نفلح ولن ننجو ولن نتقدم ولن نتعلم ما دمنا نرى في التاريخ إرثا من قصائد المدح والذم ومجموعة من أغاني الاعتداد بترهات قد عفى عليها الزمن،

لن يحترمنا العالم ونحن نرى في التاريخ مادة يلتحق بها الفاشلون وارقاما واحداثا تسبب الصداع عندما يطلب منا حفظها.

سنظل كورقة تتقاذفها الرياح قد تسقط ارضا فتدوسها الاقدام وقد تقذف بها الريح في واد سحيق او تجعلها تترنح من مكان لآخر،

المهم اننا ننتظر نهايات لا نعرف لها خاتمة طالما بقينا في هذا الجهل نبحث فقط عما يروق لنا ويسمن فينا مرض الانسان العربي من الغرور والاعتداد بالنسب والقبيلة وكل مالا يفيد ولا ينفع ولم يؤدِ الا الى مزيداً من استخفاف الأمم بنا.

ارفعوا الحصار عن تعز