الثائر الذي كفره وأعدمه الأئمة!!

بلال الطيب
السبت ، ٢٣ يناير ٢٠١٦ الساعة ١٢:٠٩ مساءً
ما زلت أتذكر بألم، ذلك الكهل «السفياني»، وهو يَتحدثُ بفخر مائز، عن طيشه ومغامراته، وكيف قَتل بِدم بارد ذات نهار، مُغترب «تعزي» عائدا لتوه من أرض الغربة، منتصف ثمانينيات القرن الفائت، وبرفقته زوجته وطفلاه، دفنهم بقبرٍ واحد؛ وعاد لقبيلته متباهياً بما كسبت يداه، وبالسيارة والأموال ابتنى منزلاً، وحج إلى بيت الله الحرام «4» مرات.
 
التقيت قاطع الطريق ذاك، بداية العام «2000»، أثناء تأديتي خدمة التدريس الإلزامية بمديرية «حرف سفيان»، جنوبي «صعدة»، ذو وجه شاحب، ولحية بيضاء كثة، مائلة للصفرة، وماضٍ أسود، مليء بالدم والثارات؛ حدثني أيضاً، عن أفراد من قبيلته غادروا «سفيان» و«برط»، قبل عشرات السنين، إلى «إب» و«تعز»، واستقروا فيهما، وما لقب «السفياني» و«البرطي» و....الخ، إلا امتداد لأصله القبلي الذي يتباهى به.
 
عُدت إلى المراجع التاريخية، بحثاً عن أي تفاصيل مُتصلة، تؤرخ لذلك النزوح، فوجدت بغيتي في كتاب «حوليات يمانية» لمؤرخ زيدي مجهول، تَحدثَ فيه عن مجاعة كُبرى حدثت في بكيل «1823»، خرج الناس بسببها خرجة رجل واحد، كبارهم وصغارهم ونساؤهم، وصلوا صنعاء، نهبوا وقتلوا، ثم توجهوا صوب اليمن الأسفل، استوطنوا، وتزوجوا، وتمشيخوا، واستولوا على الحصون العالية، والأراضي الخصبة، وحولوا ملاك الأرض الأصليين إلى «أجراء»، لا «حول» لهم ولا «زرع».
 
متفيدوا الهضبة قبل ذلك الاجتياح، كانوا يعودون مُحملين بالغنائم، يأبون الاستقرار، إلا النادر منهم، حدثت أشهر غزواتهم في عهد الإمام «الناصر» صلاح الدين بن علي، نهاية القرن الثامن الهجري، الذي وحدهم، وقادهم صوب اليمن الأسفل وتهامة، في حروب عبثية، لا غرض منها سوى النهب، والسلب، وتدمير العمران، ليأتي بعده بـ «150» عاماً، الإمام «الناصر» المطهر شرف الدين، ويمارس ذات الجنون، بصورة أقل فظاعة.
 
وفي عهد الدولة القاسمية، حضرت الفتوى الدينية، وبموجبها صار الشوافع كفار، وقتلهم واستباحة أموالهم جهاد في سبيل الله، كانت حينها الطرق الصوفية قد وجدت طريقها للانتشار، بفعل الدعم والرعاية «الرسولية» ثم «الطاهرية» ثم «العثمانية»، وهو المدخل الذي تسلل من خلاله مؤسس تلك الدولة، الإمام «المنصور» القاسم بن محمد «1598»، أصدر فتوى كفر بها الصوفية وداعميها؛ نقلها المؤرخ الزيدي المطهر بن محمد الجرموزي، في كتابه «النبذة المشيرة إلى جمل من عيون السيرة».
 
يقول الإمام القاسم: «إن أصل دينهم من بقية أولاد المجوس، أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، حقناً لدمائهم ودينهم، قاتلهم الله ولعنهم، فإذا خافوا على نفوسهم خلطوا تلك الملاهي بالتهليل ومولد النبي، فالواجب على المسلمين استباحة دمائهم وأموالهم، لأنهم كفار مشركون؛ بل شركهم أعظم وأكثر، لأن المشركين كانوا يقرون بالله، ويجعلون له شركاء وهي الأصنام، وهؤلاء لم يجعلوا إلههم إلا الحسان من النساء والمردان، ولا يعرفون لهم رباً غير ذلك قاتلهم الله، فمن أجارهم فهو كافر، ومن أحسن إليهم فهو كافر، ومن عمل ذلك، فقد أعان على هدم الإسلام، ومن أعان على هدم الإسلام فهو كافر».
 
 
تجسد التطبيق الفعلي لتلك الفتوى، في عهد ولده «المتوكل» إسماعيل، وعهد الأئمة الذين اتو من بعده، ليعززها الأخير بفتوى: «إرشاد السامع، في جواز أخذ أموال الشوافع»، وفي عهد «المنصور» حسين بن القاسم، وولده «المهدي» عباس، وأحفاده، عاودت قبائل الهضبة المتوحشة غزواتها، الناهبة للأرض، المذلة للإنسان، والأمم الوحشية ـ كما قال ابن خلدون ـ أقدر على التغلب ممن سواها.
في كتابه «مائة عام من تاريخ اليمن الحديث»، نقل المؤرخ حسين عبدالله العمري تفاصيل تلك الغزوات، إليكم خلاصة: في البدء خرجت قبائل برط وحاشد إلى مدينة اللحية بتهامة «1732»، نهبوها وعاثوا فيها خراباً وفساداً، لتهجم ذات القبائل بعد «26» عاماً على اليمن الأسفل، وفي العام «1778» غزت قبائل بكيل «ملحان» و«تهامة»، وعملت فيهما قتلاً وسلباً ونهباً، وخلال الـ «20» عاماً التالية، قامت قبائل برط بـ «7» غزوات، موزعة على عديد مناطق من اليمن الأسفل، كما قامت قبائل خولان بقيادة «أبو حليقة» بغزو «حبيش، وآنس، وعنس، وريمة».
 
أغلب تلك الغزوات، كانت تحدث بتوجيه ورضا من الأئمة أنفسهم، هذا ما أكده العلامة ابن الأمير الصنعاني، في كثير من كتبه ومكاتباته، غرسوا في أبناء قبائل الهضبة الاستعلاء الفارغ، وجعلوهم يحتقرون كل الأعمال الزراعية، والمهن الحرفية والتجارية، وصيروهم وقوداً لمعاركهم التوسعية، وكمكافأة لخدماتهم، قام الأئمة بتوزيع قطاعات واسعة من أراضي اليمن الأسفل الخصبة لكبرائهم، وقد نشر الشيخ سنان أبو لحوم في مذكراته، صورة لوثيقة قديمة تؤكد ملكية أسرته لـ «جبل وراف»، سبق وأن أعطي لأجداده من قبل أحد الأئمة القاسميين.
 
صاحب الحوليات، ألمح من جهته، إلى أن الإمام «المهدي» عبد الله لم يكن راضياً عن الاجتياح «البكيلي» الأخير، وفي ذلك يقول: «فلما علم الإمام خبث نياتهم، وطلبوا من الغلبات التي لا يسعها المعقول، وما هم فيها، وإنما يريدون اليمن ـ يقصد اليمن الأسفل ـ فأعرض عنهم، وكتب إلى جميع الجهات بالاحتراس منهم، فعزموا اليمن، وذلك بغيتهم، يجعلوها وطناً»، كما أشار إلى أن تلك القبائل، كانت قد تألفت أراضي «إب» الخصبة، في غزوات لها سابقة.
 
كان حينها الفقيه سعيد بن صالح بن ياسين، في بلد «شار»، مُنكباً وعلى مدى «40» عاماً في صوفيته، مُعتكفاً في زاويته، مُتبتلاً في محرابه، زاهداً عن ملذات الحياة، يُحيي موالد الذكر، ويستقبل المريدين والأتباع، يُصلح بين «الرعية» قدر المستطاع، يتألم بصمت لحالهم، يراقب انتفاشة جلاديهم، ويهيئ النفوس لرفض الظلم، واستعادة الحق المسلوب.
وفي المقابل، كانت الدولة القاسمية تعيش اسوأ مراحلها، توفى أقوى أئمتها «المهدي» عبدالله بن «المتوكل» أحمد «1835»، حل النزاع والشقاق داخل الأسرة الحاكمة، تمكنت قوات محمد علي باشا من اجتياح اليمن، لم يدم بقاءها طويلاً، انسحبت أواخر العام «1839»، ليبقى الأسفل منه، ساحة فيد لمشايخ الإقطاع، وأتباعهم.
ضاق «الرعية»، فجروها «ثورة»، تولى الفقيه سعيد قيادتها، تحصن في «الدنوة»، الواقعة بين «حبيش» و«نَعمَان» غربي مدينة «إب»، أعلن نفسه إماماً لـ «الشرع المطهر»، نصب الولاة والقضاة، خطب باسمه على المنابر، وضرب بلقبه العملة الفضية، واستطاع خلال فترة وجيزة من استعادة حوالي «360» حصناً، سبق لجحافل «الفيد» أن تمركزت فيها، وامتد سلطانه من «يافع إلى زبيد، ومن تعز إلى يريم»، ليصدح الناس بالأهازيج:
 
«يا بـاه سعيد يـا بـاه 
 
أسلمتنا المحنـة 
 
يا صـاحب الـدنوة
 
والعسكـر الـزُّؤبـة»
 
يقول المؤرخ محمد بن اسماعيل الكبسي في كتابه «اللطائف السنية في أخبار الممالك اليمنية»: «أجفل إلى الفقيه سعيد أهل اليمن من نقيل صيد ـ سمارة ـ إلى عدن، وأتوه بالنذور، والزكاة»، الكبسي نقل وصفاً موجزاً لحالة الخوف والذعر التي اجتاحت اليمن الأعلى، بفعل تلك الثورة، خاصة حال رؤيتهم لـ «رجال بكيل قد ارتحلوا عن اليمن الأسفل، مرعوبين منهوبين, بعد أن استولى الفقيه سعيد على المفسدين من ذي محمد، وأخرجهم من حصون شوامخ، وجبال بواذخ».
 
أجل القاسميون خلافاتهم، اغتيل إمامهم «الناصر» عبدالله بن الحسن، بداية العام «1840»، نصبوا محمد بن «المتوكل» أحمد إماماً، بعد أن اخرجوه من السجن، تلقب بـ «المتوكل» تيمناً بأبيه، ثم غيره بعد ثلاثة أشهر إلى «الهادي»، ليغاير لقبه لقب الفقيه الثائر.
 
استحضر القاسميون فتاوى الأجداد، دعا داعي الجهاد، جاءت القبائل طلباً للثأر، وطمعاً في الغنائم، تولى مُسعري الحرب مهمة الإقناع، جعلوا للفقيه الثائر اسماً آخر: «سعيد اليهودي»، اتهموه بالسحر والشعوذة، وبأنه أدعى أنه «المهدي المنتظر»، ليأتي وصف صاحب الحوليات، متماهياً وذلك التشنيع، وصف الثورة بـ «الفتنة»؛ والفقيه بـ «الشيطان»، وبأنه «أكبر أهل الطغيان, شق للمسلمين العصا، وتبع هواه وعصى»، وزاد على ذلك: «وقد صارت جميع البلاد من جند الباغي اللئيم، والطاغي سعيد».
 
أستعد الفريقان للمعركة، كان جيش الفقيه سعيد الأكثر عدداً وعدة، توافد كبار مشايخ اليمن الأسفل ورعاياهم، مهنئون وداعمون، أمثال: الشيخ محمد بن قاسم «مخلاف الشوافي»، والأمير سعيد بن أحمد الجماعي «العدين»، والشيخ حسين بن يحيى عباد «مخلاف ذي رعين»، الشيخ عبدالله محمد فاضل «مخلاف العود، والنادرة»، فيما تولى قيادة ذلك الجيش أحد مشايخ «جبل صبر»، حسب معلومة يتيمة أوردها الشيخ المناضل عبدالرحمن أحمد صبر، ذات «مقيل».
 
وصلت جحافل «الفيد» إلى «يريم»، عسكروا فيها «أكتوبر1840»، أرسل «الهادي» الرسل والجواسيس، لاختراق جبهة الفقيه، خاصة وأن الأخير كان قد استبقى بعض مشايخ اليمن الأعلى وأتباعهم لديه، مثل النقيب حسين بن سعيد أبو حليقة, والنقيب علي بن علي الهيال, تظاهروا له بالولاء، وتعهدوا في الخفاء، لإمامهم «الهادي» بالوقوف إلى جانبه، والقبض على الفقيه، وقادة جيشه، مع أول هجوم.
 
في الشهر التالي، وصل جيش الفقيه الثائر إلى «يريم»، حاصر القوات الغازية، كان النصر حليفه، وصلت تعزيزات من «خولان» و«نهم» و«همدان»، ساهمت في ترجيح كفة الإمام الزيدي، هجمت قوات الأخير على معسكر الفقيه، سقط المعسكر من الداخل، بفعل الخونة الذين اقتحموا خيمة قادة الجيش، واقتادوهم أسرى إلى إمامهم «الهادي».
أفلت الفقيه سعيد «الشيخ الثمانيني» منهم بأعجوبة، أنسحب بما تبقى لديه من قوات، تحصن في «نقيل سمارة»، استمات في الدفاع والمقاومة، خسر المعركة «ديسمبر1840»، تراجع إلى «الدنوة»، وقع أسيراً، اقتحم «المتفيدون» حصنه المنيع، نهبوا كل ما فيه من أموال وحبوب، وفي الباب الكبير لـ «مدينة إب» صلبه «المحتلون»، أمام حشد كبير من مناصريه، ثم حزوا رأسه، وقدموه قربانا لنزق إمامهم المُتسلط.
 
يقول مؤرخ اليمن محمد بن علي الأكوع: «تعتبر هذه الثورة التي قادها الإمام العارف بالله، ثورة الحق على الباطل، وثورة الإصلاح على الفساد والفوضى، وثورة الانسانية على الوحشية الشنعاء، وثورة بيضاء نقية، وعدل ناصح على الظلم الحالك، وثورة الضعيف المقهور على الجبروت الجلاد، وثورة التوحيد بلا إله إلا الله على ما يشبه الانحلال والفراغ النفسي، ولكن للأسف، أن هذه الثورة لم تستكمل عناصرها، ولم تتخذ لها العدة اللازمة من السلاح والعتاد والخيل والرجال، ولا تحددت أبعادها ومصائرها، ولم تعرف جيداً أنها ستواجه خيانات ومؤامرات».
جريمة اغتصاب طفل في تعز