الـوحـدَة.. حُلمٌ مُختَطف!!

بلال الطيب
السبت ، ٢٨ نوفمبر ٢٠١٥ الساعة ١٢:٣٨ مساءً
عندما زار المناضل العربي الكبير عبد العزيز الثعالبي اليمن «أغسطس 1924»، كانت الوحدة همه الشاغل، وخلال فترة بقاءه التي تجاوزت الشهرين، سعى لتقريب وجهات النظر حولها بين سلاطين الجنوب والإمام يحيى، كان الأخير مزهواً بانتصاراته التي حققها على اليمنيين، وفي غمرة ذلك الانتشاء أصر أن يكون الحاكم الأوحد، وبيديه مقاليد كل شيء؛ من جهتهم سلاطين الجنوب وضعوا برنامج أسموه «إصلاح الحكم»، دعوا فيه لنظام «اتحادي فيدرالي»، يرتكز على أسس «دستورية»، وأن يكون للدولة الجديدة «حكومة» تقوم مقام الإمام، و«مجلس أمة» يمثل الشعب.
فشلت مهمة «الثعالبي»، وظل «الانجليز والإمام» جاثمان على أنفاس اليمنيين، لم تكن الوحدة حينها بالشيء المُقدس عند «الأحرار»، بقدر ما كان همهم تحرير الإنسان، الشهيد محمد أحمد نعمان نقل لنا جانباً من أراءهم في كتابٍ أسماه «من وراء الأسوار»، في حناياه يجزم المناضل أحمد المروني أن سكان «اليمن الأسفل» أكثر فهماً ودراية بما يهدف إليه «الأحرار» من ثورتهم، ومناطقهم مهيأة لقبول هذا الطارئ المُنقذ، أما مناطق «اليمن الأعلى» فهي حد وصفه ميدان للتشيع والغلو، وسكانها وإن بدو ساخطين من الوضع، فسرعان ما ينقلب سخطهم إلى رضا، خاصة عندما يسمعون «أبناء النبي» يطلبون نجدتهم، وهنا ينسون كل شيء؛ وينتصرون للآل والمال.
 
فيما يرى عبدالرحمن الإرياني أن حركة الأحرار لا يمكن ان تنجح في «اليمن الأعلى» إلا على اساس حطم صنماً وانصب صنماً آخر، ومن نوع الاصنام التي ألفوا عبادتها، ودعا إلى أن يركز الاحرار جهودهم في العمل على اتخاذ «اليمن الأسفل» مركزاً لحركتهم ودولتهم الجديدة، ولا ضير أن يتولى قيادتها مناضل «زيدي ـ قحطاني».
يشاركهما الرأي محمد عبدالله الفسيل الذي ختم طرحه بقوله: «فإذا تكونت حكومة الأحرار وأصبحت حقيقة واقعية في المنطقة الشافعية أمكن اكتساح المنطقة الزيدية وإعادة اليمن إلى وحدتها»، أما «أبو الأحرار» الشهيد محمد محمود الزبيري فقد أكد في كتابه «الإمامة وخطرها على وحدة اليمن» أن الأغلبية الشافعية لن تقبل أن تحكم حكماً مذهبياً لا يعبر عن إرادتها ولا عن عقيدتها، وأن الانقسام سيبقى ما بقيت الإمامة.
 
في منتصف القرن الفائت كان المد القومي هو السائد، وكانت شعارات الوحدة تُلهب حماس الجماهير، وعلى وقعها تجسدت واحدية النضال اليمني، وكما بدأ أحرار الشمال نضالهم من عدن، بدأت فصائل «14أكتوبر» نضالها بدعم وإسناد من الشمال، تحت شعار «الاستقلال والوحدة»، وكانت مدينتي «تعز» و«قعطبة» الملاذ الآمن للثوار، ومركز دعمهم، آمن الغالبية بالوحدة حد التعصب، وحين دعا عبد الرحمن البيضاني لقيام «دولة شافعية» من عدن، رُمي بالأحذية من قبل أبناء الجنوب؛ التواقين لحظتها للوحدة مع «الزيود».
 
وفي المقابل كانت شعارات الوحدة تؤذي الانجليز وحكومتها الاتحادية، وقد أصدروا «يونيو1963» قانون صارم موجه لدعاتها، جاء نصه: «من يوافق أو يدفع الآخرين إلى التفكير بأن اتحاد الجنوب العربي يعتبر جزء من دولة أخرى، يتعرض لعقوبة السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات؛ أو لغرامة لا تزيد عن خمسمائة جنيه استرليني».
 
في أول حكومة جمهورية أصدر الرئيس عبد الله السلال قراراً بتعين قحطان الشعبي وزيراً لشؤون الجنوب، وفي أول خطاب له بعد أن أصبح رئيساً قال «قحطان» أنه مستعد لإعلان الوحدة إذا كان الأخوة في الشمال عندهم نفس الاستعداد؛ رد الرئيس عبد الرحمن الإرياني بخطاب مماثل عبر فيه عن استعداده للتنازل عن الرئاسة، وما على «قحطان» إلا أن يتوجه إلى صنعاء ليتسلم مقاليد السلطة، وبين الخطاب والخطاب المضاد برزت نبرة «استعطاف الجماهير» وظلت مستحوذة على المشهد، انقلب «الرفاق» على «قحطان»، وفي تعز «نوفمبر1970» التقى خلفه سالم ربيع علي بـ «الإرياني»، وتركزت مشاوراتهم على قيام «اتحاد فيدرالي» بين الدولتين.
 
ألقى الصراع القُطبي بظلالة على الخارطة اليمنية، ولم يعد التنقل بين الدولتين متاحاً كما كان في عهدي الأئمة والانجليز؛ زادت القطيعة، وحل الشقاق، رغم أن الوحدة كانت مصدر مشروعية النظامين؛ يتغنون بها؛ ويتهمون بعض بعرقلة تحقيقها؛ ومن أجلها اشعلوا الحرب؛ وسفكوا الدماء.
 
«المشايخ المتحولون» انتكاسة كبرى اعترضت مسار «الجمهورية» الوليدة، ولولاهم ما استمر مخاضها لـ «8» سنوات، «جمهوريون» في النهار، «ملكيون» في الليل، وحين افتضح أمرهم قاتلوا في صف من يدفع أكثر؛ تحققت المصالحة الوطنية، فاتجهوا «1972» نحو الجنوب، بعد أن استدرجتهم القيادة هناك لفخٍ لـ «الارتزاق الجديد»؛ وعلى مائدة غدائهم الأخير تمت تصفيتهم جميعاً، وكان أشهر الضحايا علي بن ناجي «الغادر»، الشيخ الذي عاش «غادراً» ومات «مغدوراً به».
 
اكتفى «الإرياني» بالإدانة، فيما أصر مشايخ اليمن الأعلى على الأخذ بـ «الثأر»، اندلعت الحرب «2أكتوبر1972»، قتل بعض أفراد القبائل بنيران صديقة؛ فكان النصر جنوبي؛ تدخلت الجامعة العربية، وجمعت بعد «26» يوماً بين رئيسا وزراء الدولتين علي ناصر محمد ومحسن العيني، فكانت «اتفاقية الوحدة»، أفصحت القوى القبلية عن معارضتها لها دون طرح البديل، فخسر «العيني» منصبه.
 
التقى الرئيسان «سالمين» و«الإرياني» نهاية الشهر التالي بـ «ليبيا»، فكان «بيان طرابلس»، تم الاتفاق على مسمى الدولة، والعاصمة، والعلم، مع التأكيد على ضرورة الإسراع في تنفيذ «اتفاقية القاهرة»، وفي «الجزائر» تجدد اللقاء «سبتمبر1973»، استبدلت لغة التعجيل بلغة تهيئة الأجواء، خاصة وأعمال التخريب في المناطق الوسطى كانت على أوجها، منتصف العام التالي غادر «الإرياني» السلطة، وحل محله إبراهيم الحمدي أحد معارضي «اتفاقية الوحدة»، أصدر أمراً عاجلاً بوقف الحملات الإعلامية ضد «الجنوب»، بادله «سالمين» ذات الموقف، أسسا لعلاقة ودية أخذت الطابع الشخصي أكثر من الرسمي، التقيا في قعطبة «فبراير1977»، وبعهدهما كان تحقيق الوحدة أمراً ممكنا.
 
أزاح «الحمدي» القوى القبلية والعسكرية التي أزاحت «الإرياني»، وقرب قوى عسكرية من «همدان» ومن «سنحان»، فكانت نهايته على أيديهم، وكان لـ «السعودية» الأثر الأكبر في انقلاب هؤلاء عليه، أشترتهم بالمال، ووعدتهم بالسلطة، بعد أن تأكد لها أنه ذاهب في اليوم التالي إلى عدن ليحتفي مع صديقه «سالمين» بالذكرى «14» لـ «14أكتوبر»، ويعلنان «الوحدة» من هناك، «الحمدي» الذي صعد إلى الكرسي بتأييد «سعودي» ذهب ضحية تأمرها، كانت أول دولة يزورها، وأول دولة تتلقى نبأ مقتله بشفرة «الصابونة وقعت».
 
«الحمدي» و«سالمين» رئيسان «أحبهما» الشعب، حاولا التخلص من هيمنة «القبيلة» و«الايدلوجيا» فتُخلص منهما، وبعد «8» أشهر و«15» يوماً من مقتل «الحمدي» أنهى «الرفاق» حياة «سالمين» بذريعة القضاء على «طفولته اليسارية»؛ وقبل ذلك بيومين قتل الرئيس أحمد الغشمي بحقيبة مفخخة قادمة من الجنوب؛ تتشابه النهايات، بيد أن الأخير ليس «محبوباً» البتة، وكما يحظى قبر «الحمدي» بآلاف الزوار لقراءة الفاتحة عليه، لا يزال قبر «سالمين» مجهولاً حتى اللحظة.
 
طلب علي عبدالله صالح من المشايخ دعمه كي ينتقم من قتلة «الغشمي»؛ ومن «السعودية» أتت طائرة خاصة أقلت الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر إلى جدة؛ وهناك أقنعه «الأشقاء ـ مصدر شقائنا» بضرورة مساندة «صالح»، فيما تولى صالح الهديان الملحق العسكري في السفارة السعودية بصنعاء، الرجل الأول في اليمن حينها؛ مهمة إقناع باقي المشايخ المعترضين، أصبح «صالح» رئيساً للشمال، وسارع المحللون بالتنبؤ بأن الكرسي الملتهب سيلفظه خلال أسابيع.
 
لم يبدأ «صالح» حربه الانتقامية، بل بدأها الجنوبيون، وسيطرت قواتهم «24فبراير1979» على عديد قرى ومدن شمالية، أعترض «الروس»، فرد مسؤول جنوبي كبير على السفير «الروسي» بعدن: «نعم نحن بدأنا الحرب؛ إذا ربحنا سنخلق اليمن الكبرى، وإذا خسرنا ستتدخلون لحمايتنا»، تدخلت الجامعة العربية إلى جانب الشمال، وهددت سوريا والعراق بإرسال قوات إذا لم يتوقف القتال، لتنتهي الحرب نهاية الشهر التالي، باجتماع الرئيسين «صالح» وعبدالفتاح اسماعيل بـ «الكويت».
 
اتفق الرئيسان على وضع برنامج زمني لتنفيذ «اتفاقية القاهرة»، وأوكل إلى السلطتين إنجاز دستور الوحدة خلال أربعة أشهر، وإنهاء التجزئة حلال عام واحد، أقنع «صالح» المشايخ المعترضون بضرورة المناورة وكسب الوقت؛ فيما أضطر «فتاح» أن يقدم استقالته «ابريل1981»، بعد أن أتهم بالتواطؤ مع الشمال.
 
أصبح علي ناصر محمد رئيساً للجنوب، تجددت لقاءته مع «صالح» في كل من عدن وصنعاء وتعز لأكثر من مرة، وأيضاً في فاس بالمغرب، تم الانتهاء من إعداد دستور الوحدة «ديسمبر1981»، وفي العام التالي توقفت المواجهات في المناطق الوسطى، ونجح الرئيسان بإيقاف «حرب ثالثة» كانت على وشك الاندلاع «1985»، إثر اكتشاف النفط على خطوط التماس.
«ناصر» ذو النزعة السلمية في صراعه مع الشمال، فجر حرباً اهلية ضد رفاقه بالجنوب «13يناير1986»، استمرت لـ «10» أيام، قتل بسببها حوالي «4000» مواطن، وعدد كبير من قيادات الحزب الاشتراكي، لم تأتي نتائج الحرب لصالحه، هرب شمالاً، وأصبح علي سالم البيض الرجل الأول في الحزب.
 
تحققت الوحدة «22 مايو1990»، بعد مقدمات خائبة و«اتفاقية هشة» أبرمها «البيض» و«صالح»، بدت كمخرج لـ «قيادة شمالية» طموحة تبحث عن «برنامج» يجمع الشعب حولها، ومخرج لـ «قيادة جنوبية» مُنهكة، شارفت خزينها على الإفلاس، وانحسرت شعاراتها وإنجازاتها، مع تفكك منظومة داعميها، وهذا المأزق أكبر بكثير من المأزق الشمالي، لذا فقد كانت الهرولة إلى الوحدة بلا كوابح.
دخل «شركاء الإنجاز» من الوهلة الأولى في صراع ليس «ايدلوجي» بقدر ما هو «مصلحي»؛ تاجروا بأحلام البسطاء ومشاعرهم، وفصلوا الدولة على مقاساتهم، وكان همهم البقاء على رأسها، والتمتع بامتيازاتها، ظلت الوحدة مرهونة ببقائهم؛ وظل كل طرف يتربص بالأخر، بدليل عدم إدماج الجيش، بما يشبه الاستعداد المسبق لأي طارئ، قد يزيح هذا الطرف أو ذاك.
 
بانتهاء «الفترة الانتقالية ـ الانتقامية» بلغ الصراع مداه، أحس أحد «شركاء الانجاز» بهزيمة شبه مدوية أمام خيار «الديمقراطية» الذي كان محل رضاه، ومع بروز طرف ثالث لم ينضج بعد؛ طغت «الايدلوجيا» على «المصلحة»؛ وحضرت صراعات الماضي غير البعيد، وغابت «الوحدة» التي كانت حتى الأمس القريب «تجب ما قبلها».
 
بعد أحداث الشغب التي اجتاحت تعز وصنعاء نهاية العام «1992»، عقد التجمع اليمني للإصلاح مؤتمر «الوحدة والسلام»، عمل على إخمـاد مواضع الانفجار، مـع ميل خفي نحـو «صالح»، ليتحول فيما بعد إلى «خادم مُطيع» لهذا الأخيـر، بدليل تحميل الشيخ «الأحمر» وعبدالوهاب الأنسي الحزب الاشتراكي وحده مسؤولية افتعال الأزمة، رغم أن أكثر من «150» من كوادر «الحزب» تعرضوا للاغتيال، دون أن تفصح السلطة عن أي غريم.
 
كانت رؤية «عودة الفرع للأصل» لا تزال مسيطرة على الزعامات القبلية التي كانت وما زالت تلعب دور المصلح التقليدي، وهو الدور الذي غاب وغيب لحظتها، ما جعل القيادات الجنوبية تشعر أن دورها أصبح ثانوياً، خاصة بعد إجراءات تعديل الدستور الانفرادية، الأمر الذي أدى إلى ظهور ما سمي بسياسة «الاعتكاف»، اختزل «البيض» مطالبه بـ «الوحدة والديموقراطية والحياة»، لا «الوحدة والموت»، فيما بقي «الحكام الجدد» يترقبون «عودة الابن الضال».
 
لم يعد «البيض» بل ذهب الجميع إلى الأردن «20فبراير 1994»، ووقعوا هناك على بنود «وثيقة العهد والاتفاق» بعد تلكؤ شديد من حزب «صالح»، وإصرار كبير من حزب «البيض» الذي اعتبر تلك الوثيقة بمثابة انتصار له، كونه استطاع أن يتجاوز البرلمان الذي لا وجود مؤثر له فيه، كما استطاع أن يضع كافة شروطه ومطالبه التي تضمن له النفوذ والبقاء في السلطة، سواء أكان ذلك عن طريق تجريد الرئيس من كثير من مهامه وإعطائها لرئيس الوزراء، أو عن طريق فرض «نظام اللامركزية»، وتجريد الطرف الآخر من أبرز وسائل قوته بإخراج وحدات الجيش من المدن، وإلغاء وزارة الإعلام، وتقليص صلاحيات البرلمان بإنشاء مجلس للشورى يختار أعضاؤه من أبناء المحافظات بالتساوي، ومنع حيازة السلاح، والعمل على إنهاء الوجود المسلح غير الرسمي في إشارة إلى أسلحة القبائل، والكثير من البنود التي تؤسس لدولة مدنية كانت وما زالت حلم الجميع.
 
في اليوم التالي، وأحبار أقلام من وقعوا تلك الوثيقة لم تَجف بعد، بدأت المدافع في محافظة أبين تتبادل القصف بين قوات لواء «العمالقة» الشمالي وقوات لواء «مدرم» الجنوبي، لتندلع الحرب الشاملة «4مايو1994»، فيما ظلت مهمة المبعوث الأممي الأخضر الإبراهيمي تراوح مكانها؛ ورغم الدعم المهول الذي حظي به الحزب الاشتراكي «الكافر»؛ من قبل الإمارات والسعودية «الرجعيتان»؛ حسم «صالح» المعركة لصالحه خلال «68» يوماً، وصار الحاكم الأوحد، وبيده مقاليد كل شيء.
 
في مذكراته يقول الشيخ «الأحمر» أن السعودية لم تكن ضد الوحدة، وأنها لو كانت كذلك لمنعتها في مهدها، والحقيقة أن الوحدة تحققت بدعم من الرئيس العراقي صدام حسين، الرجل الأقوى حينها، الذي كانت تهابه دول الخليج؛ كانت علاقته مع «البيض» و«صالح» جيدة، بل أن الأخير أرسل آلاف الجنود اليمنيين لدعم العراق في حربها مع إيران؛ وكان ينعت بـ «صدام الصغير»؛ ويقال أن التعجيل بإعلان الوحدة جاء بإيعاز من «صدام الكبير»، الذى وقع بعد أقل من «3» أشهر في مصيدة غزو «الكويت»، وجعل «العرب» قبل «الغرب» يسارعون للتخلص منه، رحلَّت السعودية حينها مليوني مغترب يمني، وما ذلك إلا جزء يسير من اعتراضها على الوحدة.
 
لا يمكننا الجزم أو الخوض في تفاصيل مبادئة طرفي الصراع، سوأ في «أبين أو عمران أو يريم أو حرف سفيان»، كونه «ورقة خفية» من مهازل التآمر السياسي المحفور بعناية في تاريخنا وواقعنا المأزوم، ونتيجة حتمية لفشل الصيغة السياسية السرية التي صنعت «الوحدة» المأزق؛ ومن حقنا أن نتسأل: هل الحزب الاشتراكي المنتصر لحظتها من خلال تلك الوثيقة «أحمق» ليجازف بنسفها، أم «المستفيد» طرف آخر نعرفه جيداً؟!.
 
يحسب لـ «صالح» إجادته اللعب بالأوراق، وحسن دراسته كمستبد فائق الذكاء لنفسيات خصومه، استغل سذاجة «شركائه الجدد»، فكانوا بالفعل سنده البارز في تثبيت دعائم حكمه الإقطاعي، ولولاهم ما أنتصر في حرب «صيف 1994»، التي قتلت الآلاف، وتسببت بخسائر فادحة تجاوزت الـ «10» ملايين دولار، وضعهم بين فكي كماشة «عقدتهم المتجددة» التي يلخصها المثل الدارج «أعور ولا أعمى»، أو بالأصح «جني تعرفة، ولا إنسي ما تعرفوش».
وقفت «الهاشمية السياسية» حينها ضد «صالح»، وساندت قبائلها القوات الجنوبية عسكرياً في «عمران» و«حرف سفيان»؛ وسياسياً ارتمى «حزب الحق» والذي كان حسين الحوثي أحد أبرز قاداته في أحضان قادة الانفصال.
 
هناك مغالطات منمقة بأوهام التاريخ، تزدحم بها مناهجنا ووسائلنا الإعلامية، تفرض نفسها على حساب المعلومة الصحيحة، وتتكرر بصيغة: «الوحدة الضاربة جذورها في أعماق التاريخ»؛ وأن الانقسام والتجزئة ما هو إلا صنيعة استعمارية مستجدة، والحقيقة المؤكدة أن اليمن وعبر تاريخها الممتد لم تتوحد سوى «6» مرات فقط، كان التوحد الأول في القرن الثالث الميلادي بقيادة الملك الحميري «شمر يهرعش» الذي حمل اللقب الطويل «ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت»، واستمرت لـ «3» عقود، وفي العهد الإسلامي قسمت اليمن إلى عدة مخاليف تراوحت أعدادها بين الاثنين والأربعة، ثم أصبحت ولاية واحدة مع نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي الأول.
 
علي الصليحي «الدولة الصليحية»، وسيف الاسلام طغتكين «الدولة الأيوبية»، و«المظفر» يوسف بن عمر «الدولة الرسولية»، تمكن ثلاثتهم من توحيد اليمن في القرن الخامس، والسادس، والسابع الهجري، لبضع سنوات من كل قرن، وفي القرن الـ «11» الهجري تمكن الإمام الزيدي «المتوكل» إسماعيل من توحيد اليمن للمرة الخامسة لأقل من «3» عقود، ولم تعرف اليمن الحدود الفاصلة بين «شمالها» و«جنوبها» إلا في عهدي الاحتلال «الانجليزي» و«التركي»، وسجل ذلك رسمياً «1914».
 
شهد «صالح» في إحدى خطاباته بأن «البيض» هو الصانع الحقيقي للوحدة؛ والأعجب أن الأخير أعلن الانفصال تحت ذريعة «إعادة تحقيق الوحدة بشكل صحيح»؛ وحين طرح سالم صالح محمد «الفيدرالية» كحل ناجع لإنهاء الأزمة «نوفمبر1993»، جوبه بحملة شعواء من الجميع، ولو عدنا إلى عشرينيات القرن الفائت لوجدنا أن سلاطين الجنوب في تعاطيهم مع مبادرة «الثعالبي» السابق ذكرها، كانوا أذكى، صحيح أن بقاءهم على مناطق نفوذهم كان همهم الأول، إلا أنهم عارضوا طموحات الإمام يحيى التوسعية، وتحمسوا لـ «الفيدرالية»، كخيار يحفظ وحدة «الإنسان» قبل «الجغرافيا».
جريمة اغتصاب طفل في تعز